قواعد وأسس وحدة الكلمة على ضوء الكتاب والسُّنَّة

القاعدة الأولى: العقيدة الصَّحيحة:

    فالوحدة في الإسلام لا تنبني إلَّا على عقيدة التَّوحيد الخالص، كما كان في ذلك أوَّل الإسلام، فعبادة الله وحده لا شريك له، هي أساس الملَّة والدِّين: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)[النساء: ٣٦ ] أنظروا أمركم بعبادته، ثُمَّ نهاكم بعده أن تشركوا به شيئًا، إنَّه في غاية التَّوجيه البيَّن والصَّريح، وعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من الشِّرك وأهله، وهي دعوة جميع الرُّسل اسمعوا قول الله عزَّ وجلَّ: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[النحل: ٣٦ ].

         بل إنَّ تحقيق العبودية لله جلَّ وعلا هي الغالية الَّتي من أجلها خلق الله الثَّقلين، قال تعلى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] كما ذكرت هذه الآية.

        فالاجتماع والاتفاق ووحدة الكلمة لا يكون في الإسلام إلَّا على هذا الأصل الأصيل، والأساس المتين، صحة الاعتقاد في الله عزَّ وجلَّ، وملائكته وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فهذه أصول العقيدة الإسلامية الَّتي يجب على كل مسلم الإيمان بها، وتحقيقها وأعظمها توحيد الله جلَّ وعلا في ربوبيته، وألهيته وأسمائه وصفاته، وأنه واحد لا شريك له، وعلى هذه الأصول قامت وحدة المسلمين في عصر النُّبوة وما بعده، وتوحَّدت كلمتهم، وقوية شوكتهم، وهابهم الأعداء، وفتحوا جزيرة العرب؛ بل وفتحوا المشرق والمغرب بهذه العقيدة الصَّافية الَّتي لم تكدرها الشِّركيات والبدع والخرافات، فأولّا صحة العقيدة، وتوحيد الله، ثم يُبنى عليها وحدة الكلمة، فإذا فقد هذا الأصل أو اختل، بقوادح من أنواع الشِّرك،  فإن دعوة الاجتماع والوحدة لا يمكن أن تتحقق.

         لا يمكن أن يجتمع من يُعظِّم كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويعظِّم صحابة وسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع من لا يعتقد ذلك، أو يشك في كمال القرآن وصحة السُّنَّة ويطعن في عدالة نقلتهما، بل ويشتم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم تثبت عدالتهم كما يقولون هؤلاء، فإن الإسلام كلّه يسقط؛ لأنَّ  صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الَّذين نقلوا لنا هذه الشَّريعة الغراء، كما لا يمكن الجمع بين هؤلاء، وبين من يؤمنوا بتحكيم الشَّريعة في كافة مجال الحياة، مع من يعتقد عدم صلاحيتها.

القاعدة الثَّانية: الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة:

        هذه القاعدة الثَّانية: من القواعد المهمَّة الَّتي تُوصل إلى وحدة الكلمة، وقد جاءت الآيات الكثيرة، والأحاديث الوفيرة، والآثار المتكاثرة في لزوم القرآن والسُّنَّة، وأنَّ التَّمسك بهما هو الضمان الوحيد من الاختلاف والتفرق والتناحر يقول الله عزَّ وجلَّ: (فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)[طه: ١٢٣ - ١٢٦] ثُمَّ يقول عزَّ وجلَّ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأنعام: ١٥٣].

         هذه الآيات كلّها وغيرها تدعوا إلى التَّمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى، والتَّمسك به، هو تمسك بالسُّنَّة النَّبويَّة؛ لأنَّ هناك أدلة كثيرة، وإجماع المسلمين على ذلك، ومن خرج عن ذلك ففي إيمانه نظر.

الخلاصة: من هذه القاعدة أن يكون المصدر والمرجع للاستنباط والفصل عند الاختلاف هو الكتاب والسُّنَّة، وهذا أصل عظيم يحفظ الجماعة والأفراد من التَّشتة والضياع واتِّباع الأهواء، والاغترار بالثقة  في العقول؛ لأن هناك طائفةً من النَّاس غلوا بعقولهم على مقتضى آيات الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحكام، والحقيقة ليس لديهم دليلٌ لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنَّ هذا العقل قاصر، والقاصر لا يمكن أن يعارض الكتاب والسُّنَّة الَّتي هي جاءت ممن خلق هذا العقل القاصر؛ ولكن الأهواء والشَّهواتُ تغلب على بعض النَّاس والله المستعان.

فالواجب على المسلمين أن يرجعوا في حل كل قضاياهم ومشكلاتهم إلى كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم  هذا الَّذي أجمع عليه علمائنا قاطبةً من القديم إلى يوم النَّاس هذا، فالوحدة لا بدَّأ لها من مصدر، ولا بدَّ لها من مرجع، هذا وقد بيَّنا أن مرجع الوحدة ومصدرها هو القرآن الكريم.

هذا هو المنهج في هذه القاعدة أن يمتثل فيه الكبير والصغير، وأن من عارضها لا بدَّ أن يأخذ على يده بواسطة ولي الأمر .

القاعدة الثالثة: لزوم الجماعة:

        الجماعة تطلق بعدة اعتبارات ومعناها المراد به هنا أن تجتمع أمَّة ما على واحد منهم على أمير أو سلطان أو قائد يجتمعوا على كتاب الله وعلى سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتحكيم شريعته، فيجب لزوم هذه الجماعة، والطَّاعة في المعروف، ويحرم الخروج على هذه الجماعة أو منازعة أميرها وكل ذلك لأجل تحقيق الاجتماع والإتلاف وتوحيد الكلمة بين المسلمين، وبضد ذلك يحصل لا سمح الله مفاسد وشرور لا يمكن حصرها، كما هو واقع في كثير من ديار المسلمين اليوم إلا من رحم ربي.

       وهذه قاعدة متينة في حياة الأمَّة المسلمة، هذه قاعدة كبيرة في العلاقة بين الأمة بعضها ببعض، وبين الحاكمين والمحكومين، واسمعوا بعض الآيات والأحاديث الَّتي تدلكم على ذلك في صراحة ووضوح يقول الله عزَّ وجلَّ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: ١٠٣].

وقد جاءت أحاديث كثيرة في لزوم الجماعة، والتحذير من الخروج عليها وزعزعتها من ذلك ما جاء  عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قَالَ: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلّاَ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له لماذا؟ لأن هنا تعار ض أمر هذا الولي مع أمر الله سبحانه وتعالى فهو يأمر بما فيه معصية، وهذا مردود في نصوص كثيرة.

والأحاديث في ذلك كثيرة، ولأجل هذه النُّصوص أيُّها الأخوة صار من المقررات عند أهل السُّنَّة والجماعة وينصون عليها في عقائدهم، لزوم جماعة المسلمين، وتحريم الخروج على الأمراء، ولو صدر منهم من المعاصي والظلم ما لم يظهر منهم كفرًا بواحُا فيه من الله برهان، وذلك كلّه لجمع شمل المسلمين، وتوحيد كلمتهم.

القاعدة الرَّابعة:  النَّصيحة لأئمة المسلمين وعامَّتهم:                              

وردت أحاديث كثيرة في النَّصيحة للمسلمين عمومًا، وفي بعضها نصح لولاة أمور المسلمين، وفي بعضها النصح من الولاة لراعياهم، هذه الأحاديث كلّها لها تفسيرات موجودة في كتب المتحدثين، وفي كتب العلماء قاطبة بينوا أنَّ النُّصح لعموم المسلمين، كما جاء في حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه  قَالَ: « بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». وفي صحيح مسلم أيضًا عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» فذكر منها:«وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ».

أمَّا نصيحة الرَّعية للولاة فقد ثبت في الصَّحيحين من حديث مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولِ اللهِ  صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِن عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلّاَ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» هذه مسئولية كبيرة، وأمانة عظيمة ليست بالأمر السَّهل.

والنَّصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم، والدُّعاء لهم بالتَّوفيق والسداد، فإن توفيقهم توفيقًا للمسلمين كلهم، ما الَّذي يصيبهم من هذا الحكم، ومن هذه الدُّنيا في مقابل ما ينعاهم شؤون المسلمين، إنَّها معادلة صعبة، إنَّها مسؤولية كبيرة.

والنَّصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم وتعليم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسدَّ خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذَّب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإذا تحقق العمل بهذه النَّصيحة بين المسلمين رعاةً ورعيَّة علماء وعامَّة، فإن النَّتيجة الحتمية حصول الألفة والمحبة والاجتماع وسلامة القلوب والتعاون على البر، وأنواع الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحصل تسديد النقص وربَّ النصح ومعالجة الأخطاء وتلاف السلبيات وكل ذلك ثمرته ونهايته وحدة كلمة المسلمين على الحقِّ ونصرة الحقّ والعمل بالحقّ.

القاعدة الخامسة: الالتزام بالموقف الشَّرعي في مسائل الخلاف:

إشارات وتنبيهات بالموقف الشرعي في مسائل الخلاف:-

التنبيه الأول: اقتضت حكمة الله عزَّ وجلَّ وجود التفاوت  والتفاضل بين البشر بحسب مؤهلاتهم وبحسب عقلياتهم، وحسب المؤثرات في فهم القضايا والمسائل، وإنَّ وجود هذا الاختلاف لا يفرق كلمة المسلمين ، إذا اتخذ الموقف الصحيح من الخلاف؟

تنبيه آخر: لا يعرف الحقُّ بذوات العلماء، وإنَّما يعرف بالدَّليل لا بالأشخاص، نعرف علمائنا ونوقرهم ونحترمهم ونعرف أهلهم وتلاميذهم، وأهليتهم؛ لكن يجب أن نعرف العلماء بالعلم لا نعرف العلم بالعلماء، هكذا نص علمائنا؛ لكن لا ينبغي أن تستخدم مثل هذه العبارات في الإساءة مع العلماء، وعدم توقيرهم، فإنَّ ذلك محنة أصيب بها كثير من المجتمعات .

القاعدة السَّادسة: العدل:

       العدل بمفهومه العام النَّاس يفهمون أن العدل في المحاكم الشرعية، والعدل في الشرطة، والعدل بين الحاكم والمحكوم، لا. العدل أشمل من ذلك العدل بينك وبين زوجتك، العدل بينك وبين أولادك، العدل بينك وبين جارك، العدل بينك وبين الناس كلهم، بل وحتَّى العدل من الحيوانات أكرم الله هذه الوجه، لا بد أن يكون هناك عدل، تعدل للإنسان  حتَّى ولو أنك كرهته لا يجوز لك أن تظلمه قال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[المائدة: ٨].

فالواجب على الطالب الشَّرعي أن يجمع بين القواعد في المسائل كلها من كتاب وسنَّة وإجماع، وقواعد عامَّة وقواعد أصولية إلى آخره، ثُمَّ ينظر فيها ويستخرج الحكم، أمَّا أن يأخذ آية أو حديثًا لوحده مقطوعًا عن سبب النزول أو مقطوعًا عن سبب هذا الحديث، أو أصول هذا الحديث، فهذا شيء غلط وظلم لك أخي طالب العلم، وظلم للنَّاس كلهم، وهذا ما يقوله شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: ((العلم ليس هو علم بالمفردات، العلم هو أن يجمع الشيء المثيل إلى مثيله، والشبيه إلى شبيه، ثُمَّ تنظر نظرة واحدة لتستخرج حكمًا عامًا للمسلمين يطبقونه في حياتهم

وختامًا  راجيًا من الله سبحانه وتعالى أن يجمع المسلمين كلهم على وحدة الكلمة إنَّه ولي ذلك والقادر عليه، وبخاصة هذه البلاد الكريمة الَّتي تطبق شرع الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقيم  الصَّلاة فينا، ومبنية أمرها على البيعة الَّتي هي على السَّمع والطَّاعة تحت رايتنا الإسلامية الخالدة لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

***

[محاضرة للشيخ في ملتقى وحدة الكلمة]