الحكمة من صيام شهر رمضان

الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.


أما بعد :

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى ربكم، واشكروه على ما أنعم به عليكم من مواسم الخير والبركات، وما حباكم به من الفضائل والكرامات، فأنتم خير أمة أخرجت للناس، اشكروا الله على هذا، وعظموا هذه المواسم، وأقدروها قدرها بالطاعات والقربات، واجتناب المعاصي والسيئات، فإن هذه المواسم إنما جعلت لتكفير سيئاتكم، وزيادة حسناتكم، ورفعة درجاتكم، وتنشيطكم على الأعمال الصالحة.

 عباد الله: لقد أظلنا شهراً كريم، وموسم رابح عظيم، شهر تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات، شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وأخره عتق من النار؛ نسأل الله تعالى أن يعمنا وإياكم برحمته ومغفرته والعتق من النار، إنه شهر رمضان، شهر رمضان الذي أختاره الله عز وجل أن ينزل فيه القرآن، أعظم كتاب أنزله على أهل الأرض: (هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، جعل الله صيام نهاره فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من صامه إيماناً بالله واحتساباً لثواب الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيماناً بالله، واحتساباً لثواب الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن أدى فيه عمرة كان أجرها كأجر حجة فيه، تفتح أبواب الجنة، وتكثر أعمال الخير، وتغلق أبواب النار، وتقل من أهل الإيمان أعمال الشر، روى البخاري ومسلم -رحمهم الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: قال الله عز وجل :"كل عمل أبن أدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به"، وفي رواية :"يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، والصوم جنة يعني: وقاية من الأثم ومن النار، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، يعني: ولا يرد عليه مسألته، بل يقل إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، أما فرحه عند فطره، فإنه يفرح بفطره بتناول ما أنعم الله به عليه، من ما أباح الله له، وبنعمة الله عليه بإكمال صوم يوم من فرائض الإسلام، وأما فرحه عند لقاء ربه جعلني الله وإياكم من مَن يفرح عند لقاء ربه، فيفرح بما أعد الله له من الثواب الجزيل والفوز بدار السلام، وفي صحيح البخاري عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال:" إن في الجنة باب، يقال له: الريان يدخل منه الصائمون لا يدخله غيرهم، فإذا دخلوا أغلق ولم يفتح لغيرهم".

 اللهم اجعلنا من داخلي هذا الباب، اللهم اجعلنا من داخلي هذا الباب، اللهم اجعلنا من مَن يدخلونه مرضياً عنهم يا رب العالمين، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، ودعوة الإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل، وعزتي وجلالي، لأنصرنك ولو بعد حين".

 أيها المسلمون: كم في المقابر من متمني لقاء شهر رمضان فلم يلقه، كم من إنسان أوشك أن يدركه فلم يدركه، كم من إنسان أدرك أوله ولم يدرك أخره، إن الآجال والأعمار بيد الله، وإن الحياة مزرعة الآخرة، وإن الآخرة هي المصير والمأوى.

 أيها الأخوة: لا تؤثروا الحياة الدنيا على الآخرة فتفوتكم الدنيا والآخرة، بل آثروا الآخرة على الدنيا، كما قال الله عز وجل: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).

 أيها المسلمون: إنما شهر رمضان أيام معدودة، وليالي معدودة، فاغتنموه بكثرة العبادة والصلاة والقراءة والذكر والإحسان إلى الخلق بالمال والبدن والعفو والتجاوز عن من ظلمكم، فإن الله عفو يحب العفو، واستكثروا فيه.

 أيها الأخوة: استكثروا فيه من أربع خصال اثنتان ترضون بهما ربكم واثنتان لا غنى لكم عنها، فأما اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار لا إله إلا الله، نستغفر الله ونتوب إليه، نسأله الجنة، ونعوذ به من النار.

 واحفظوا أيها المسلمون: أحفظوا صيامكم من النواقص والنواقض، أحفظوا صيامكم عن قول الزور والعمل به والجهل، فمن لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

 عباد الله: أتظنون أن الله حرم عليكم في نهار رمضان الأكل والشرب والجماع، أترونه تعالى حرم عليكم ذلك من أجل التضييق عليكم ، ومن أجل تعذيبكم بالجوع والعطش والامتناع عن النساء؟ لا والله، ولكن من أجل ما هو أسمى وأعظم ألا وهو تقوى الله عز وجل، واسمعوا ربكم تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، هذه هي الحكمة من فرض الصيام على العباد أن يتقوا الله عز وجل، واسمعوا ما تلوته عليكم من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : "من لم يدع قول الزور والعمل به"، واسمعوا ما تلوته عليكم من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنا الآن أتلوه عليكم : "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، إي أن الله تعالى لا يريد منا من الصيام أن ندع الطعام والشراب، ولكن يريد منا أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، فأما قول الزور: فهو كل قول محرم من السب والشتم والكذب والغيبة والنميمة والفحش، وليكن عليكم الوقار، لا تجعلوا يوم صومكم ويوم فطركم سواء، وأما العمل بالزور ، فهو العمل بكل فعل محرم من الغش والخيانة في البيع والشراء وغيرهما والربا صريحاً كان أو تحيلا، أحفظوا -رحمكم الله-، أحفظوا صيامكم عن استماع المعازف الأغاني المحرمة ، لا يغرنكم ما يوجد في بعض الإذاعات من أعداد برامج معينة لشهر رمضان لتصد المسلمين عن عبادة الله وتوقعهم في محارم الله، اجتنبوا هذا كله لا تستمعوا إليها فتبوءوا بالخسران.

 أيها المسلمون: دعوا الجهل، والجهل: هو التطاول على عباد الله بالسب والشتم والعدوان باليد وغيرها، وقوموا أيها المسلمون، قوموا بما أوجب الله عليكم من الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين في المساجد، لا تتهاونوا بالصلاة، لا تفرطوا فيها بالنوم، فإنها عمود الدين ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، كما قال ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ذلك استناداً لما قاله إمام المتقين، وخاتم النبيين، وسيد المرسلين، حيث قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"، لقد خاب قوم يصومون ويضيعون الصلاة، لقد خاب قوم يتسحرون وينامون عن صلاة الفجر مع الجماعة، وربما ناموا ولم يصلوا الفجر إلا بعد طلوع الشمس، لقد خابوا وخسروا، كيف ينامون عن صلاة الفريضة، فلا يؤدونها مع الجماعة، أم كيف ينامون عن صلاة الفريضة، فلا يؤدونها في وقتها وإني أقول لهؤلاء، وإني لهؤلاء إن كان لهم قلوب، أو ألقوا السمع وهم شهداء، إني أقول إن من أخر الصلاة عن وقتها متعمداً بلا عذر، لم يقبل الله منه ولو صلى ألف مرة، لأن الله عز وجل حد للصلاة وقتاً معينا، معيناً في أوله وآخره، وقال جل وعلا: ( َتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ)، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فكيف يقبل الله تعالى من ظالم تعدى ما حد له الله عز وجل من الأوقات المعينة، ولقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولا ريب أن من أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر، فإنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودا؛ يا أخي اتق الله كيف تصوم ولا تصلي؟ كيف تأمل أن تثاب على صيامك وأنت مضيع ما هو أعظم منه عند الله وأكبر منه قدراً في أركان الإسلام، إن الصلاة أعظم من الصيام إن الصلاة تركها كفر وليس شئ من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا الحكمة من فريضة الصيام على العباد، فإن الحكمة كما سمعتم هي تقوى الله عز وجل، بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

 واعلموا أيها المسلمون، اعلموا أيها المسلمون: أن الله أنعم عليكم معشر هذه الأمة بفرض الصيام، كما فرضه على الذين من قبلكم، من أجل أن تكونوا كالأمم في الخيرات والبركات والطاعات، فالصيام فريضة فرضه الله على عباده، فهو أحد أركان الإسلام، فهو أحد أركان الإسلام من أنكر وجوبه، فهو كافر بالله مكذب بالله ورسوله، مكذب لله ورسوله خارج عن جماعة المسلمين، فهو فريضة على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ذكراً كان أم أنثى إلا الحائض والنفساء فإنهما يقضيانه، فأما الصغير الذي لم يبلغ، فإنه لا صيام له، لكن يؤمر به إذا كان يطيقه، ليعتاد عليه، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يصومون صغارهم حتى إن الصبي ليبكي من الجوع، فيعطونه لعبةً يتلهى بها إلى الغروب؛ ويحصل البلوغ بثلاثة أشياء أن يتم للإنسان: خمس عشرة سنة أن تنبت عانته أن ينزل منياً باحتلام أو غيره، وتزيد الأنثى بالحيض، فمتى حصل واحد من هذه، فإن الإنسان يكون بالغاً تلزمه فرائض الله، فإذا نبتت عانة الإنسان فهو بالغ، وإن لم يتم له خمس عشرة سنة، وإذا حاضت الأنثى فهي بالغ وإن لم تتم لها وإن لم يتم لها خمس عشرة سنة، حتى ولو لم يكن لها إلا عشر سنين، فإنها تكون بالغة وإنني أسمع أن بعض النساء تحيض مبكرة، ولكنها تستحي أن تخبر أهلها ، وهذا خطأ، فإن الواجب أن تخبر الأنثى ما يجري من هذه الأمور، حتى تكون على بصيرة، من أمرها، وأما فاقد العقل، وأما فاقد العقل، فلا صيام عليه سواء فقد عقله لجنون أو كبر أو حادث وعلى هذا فالكبير المهذري ليس عليه صيام ولا صلاة، لأنه لا عقل له، وكذلك من، وكذلك من أصابه حادث فاختل عقله فصار لا يدري ما يقول ولا ما يقال له، فإن هذا لا صلاة عليه ولا صيام عليه، لأنه لا عقل له ولا إطعام أيضا، وأما الكبير العاقل فإن كان يطيق الصوم وجب عليه وإن كان لا يطيقه لضعف جسمه من الكبر، فإنه يطعم عنه بعدد الأيام عن كل يوم مسكين، لكل مسكين خمس صاع من البر أو من الرز، والأولى أن يجعل مع الطعام شئ يأدمه من لحم أو دهن، ويجب أن يكون الإطعام، إطعام المساكين بعدد الأيام، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين لزم أن يطعم تسعة وعشرين مسكينا، وإذا كان الشهر ثلاثين لزم أن يطعم ثلاثين مسكيناً، ولا يجزئ أن يدفع طعام هؤلاء إلى واحد، لأن الواجب أن يطعم عن كل يوم مسكينا، ومن عجز عن الصوم لمرض لا يرجأ زواله فحكمه حكم الكبير في الإطعام عنه، مثل الإنسان المصاب بمرض السكر الذي لا يستطيع الصبر عن الماء، وكذلك الإنسان المصاب بالسرطان، وما أشبه هذا من الأمراض التي لا يرجا برؤها، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينا، أما المريض بمرض يرجا زواله، فإنه ينتظر حتى يبرأ ويقضي الصوم لقول الله فإنه ينتظر حتى يبرأ ويقضي الصوم، لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وأما المريض الذي يستطيع الصوم بدون مشقة ولا ضرر، فإنه يجب عليه أن يصوم ولا يجوز له الفطر إلا إذا كان في صومه زيادة المرض أو تأخر برأه، فإنه يفطر حينئذٍ والحامل الحامل التي في بطنها جنين، إذا كان يشق عليها الصوم لضعفها أو ثقل حملها، يجوز لها الفطر وتقضي، والمرضع إذا شق عليها الصوم بواسطة الإرضاع أو خافت أن ينقص لبنها نقصاً يخل على الولد، يجوز لها أن تفطر أيضا وتقضي، والمسافر الذي لم يقصد بسفره التحيل على الفطر يجوز له الفطر فيخير بين الصوم، والإفطار له فعل الأسهل، فإن تساوى الصوم والفطر، فالصوم أفضل، لأن ذلك فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولأن صومه مع الناس أهون عليه من القضاء غالباً، ولأن ذلك أسرع في إبراء ذمته، ولأنه يقع الصوم منه في الزمن الذي عينه الله له، أما إذا كان أما إذا كان الصوم يشق عليه في السفر، فإن الصوم في حقه مكروه، فإن شق عليه مشقة كبيرة كان حراما، لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام، فقيل له يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما فعلت فدعى -صلوات الله وسلامه- عليه دعا بقدح من ماء بعد العصر، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له: بعد ذلك إن بعض الناس قد صام، فقال: "أولئك العصاة أولئك العصاة"، رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولا فرق في السفر بين المسافرين، ولا فرق في السفر بين المسافرين الذين سفرهم دائم، كأصحاب سيارات الأجرة فلهم أن يفطروا ويقضوا في أيام الشتاء، لأنهم مسافرون، وإذا كان مثل هذا والوقت، فإن الغالب أن صومهم أسهل، لأن الوقت معتدل، ولأن النهار قصير وذلك، لأن هؤلاء وإن كان سفرهم دائماً فإنهم مفارقون لبلادهم وأهلهم، وهذه هي حقيقة السفر، والحائض والنفساء لا صيام عليهما ولا يصح منهما الصوم إلا أن تطهرا قبل الفجر ولو بلحظة، فيلزمهما الصوم، وإن لم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر، ويلزمهما قضاء ما أفطرتا من الأيام، وأنني بهذه المناسبة أنبه على مسألة هامة، وهي أن بعض النساء تطهر قبل الفجر، ولكنها لا تصوم تظن أنه لا يصح الصوم إلا بعد الاغتسال، وهذا ظن ليس بصواب، فيجب عليها أن تصوم وتغتسل بعد طلوع الفجر، وكذلك من أصبح جنباً، فإنه يصوم ولو لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

 أسال الله تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم من مَن يصوم رمضان ويقومه إيماناً واحتسابا، اللهم اجعلنا من مَن يصوم رمضان إيماناً واحتسابا، اللهم اجعلنا من مَن يصومه إيماناً واحتسابا، اللهم أعنا فيه على الطاعات وعلى اجتناب المحرمات يا رب العالمين؛ اللهم اجعله شاهد لنا لا علينا إنك جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

الخطبة الثانية:

 الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها السعادة يوم نلاقيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن بهداهم اهتدى، وسلم تسليماً كثيرا .


أما بعد :

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصيام: "إذا رأيتموه إي الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، إي عدة شعبان ثلاثين يوما أو عدة رمضان إن كان ذلك في أخر الشهر ثلاثين يوما، فمن رآه منكم ليلة الثلاثين من شعبان، فإن عليه أن يبلغ الجهات المسئولة حتى يكون سبب خير للأمة الإسلامية، فتصوم يوماً بشهادته، ولا شك أن من دل على خير فهو كفاعله، ولا يجوز للإنسان أن يتأخر عن الشهادة إذا شاهده يقينا، لأن الأخبار بذلك فرض كفاية لا يعتمد أحد على غيره في هذه، إذا كان من من رزقه الله قوة النظر، ومعرفة، ومعرفة بمنازل القمر، ولقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يتقدم الإنسان أن يتقدم الإنسان رمضان بصوم يوم أو يومين، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه"، يعني بذلك من كان من عادته أن يصوم اليوم الذي يكون قبل رمضان بيوم أو يومين فليصمه، فإذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوم الخميس مثلاً، فصادف يوم الخميس قبل رمضان فلا حرج عليه أن يصومه أو بيوم يومين، فلا حرج عليه أن يصومه، وكذلك من كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فلم يتيسر له أن يصوم قبل أخر الشهر، فلا بأس أن يصومه، ولو كان ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين، ولقد سمعتم في الخطبة أن من أدى عمرة في رمضان فكمن أدى حجة، ولكن لابد أن تكون العمرة من إحرامها إلى انتهائها في رمضان، فمن أحرم بها قبل غروب الشمس من أخر يوم من شعبان، ثم أتى بأفعالها في رمضان، فإنه لا يعد قد أتى بعمرة في رمضان، ولذلك من أراد أن يدرك هذا الأجر فلا يحرمن من الميقات إلا بعد أن يثبت دخول شهر رمضان، وكذلك في آخر الشهر لو الإنسان أحرم قبل غروب أخر يوم قبل غروب الشمس أخر يوم من رمضان وأدى بقية أعمال العمرة في ليلة العيد، فإنه لا يعد أتى بعمرة في رمضان.

 أيها الأخوة: إن من أهم ما يعمله الإنسان في شهر رمضان من النوافل القيام في الليل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وصلاة التراويح التي يقوم بها التي يقوم بها المسلمون من أول ليلة هي من قيام رمضان ولذلك ينبغي لنا أن نعتقد أن هذه التراويح هي قيام رمضان التي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقد فهم كثير من العوام أن القيام هو التهجد في العشر الأواخر وهذا فهم خاطئ ولذلك تجدهم في العشر صليت مع فلان التراويح وصليت القيام مع فلان فيفرقون بينهما والواقع أن التراويح من قيام رمضان ولذلك ينبغي للإنسان أن يتفطن لهذا وأن ينوي أنه في هذه التراويح يقوم رمضان هذه التراويح من السنن المؤكدة التي قامها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال في أصحابه ولكنه صلوات الله وسلامه عليه لرأفته ورحمته بأمته خاف أن تفرض عليهم فتخلف ولم يصلي بهم بقية الشهر لأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن تفرض على الأمة فيعجزوا عنها فهي سنة ثابتة بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليست كما يظنه بعض الناس ثابتة بسنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحتى لو فرضنا جدلاً أنها ثابتة بهدي عمر فإن عمر رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين الموفقين للصواب حتى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يقترح الأمر من أمور المسلمين فينزل الوحي موافقاً لاقتراحه رضي الله عنه والمهم أن هذه التراويح أن هذه التراويح في جماعة سنة من سنن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكنه تركها خوفاً من أن تفرض فلما توفي صلى الله عليه وسلم أمنا من أن تفرض لأنه لا وحي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن بقوا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو عهد قليل سنتان وأشهر بقوا يصلون فرادا أو مثنى أو ثلاث ثم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أن الأفضل والأصلح أن يجمعهم على إمام واحد فأمر أبي بن كعب وتميم الداري رضي الله عنهما أن يصلي بالناس بأحد عشرة ركعة فخرج ذات ليلة والناس يصلون فقال نعمة البدعة هذه وسماها رضي الله عنه بدعة لأنها تركت مدة من الزمن ثم أقامها رضي الله عنهم فهي بدعة نسبية وليست بدعة شرعية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها لأمته.

 أيها الأخوة: اعتنوا بهذه التراويح أدوها بتمهل وطمأنينة وخشوع، أطيعوا الركوع وعظموا فيه الرب، أطيعوا السجود واجتهدوا فيه بالدعاء، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزل قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، قال :"اجعلوها في ركوعكم"، فلما نزلت: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، قال: "اجعلوها في سجودكم"، وعلى هذا أحث نفسي وإياكم على الانتباه لهذا الأمر أن الإنسان إذا ركع وجعل يقول سبحان ربي العظيم، أن يستشعر أنه ممتثل لأمر الله، وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممتثل لأمر الله لقول الله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)، ممتثل لأمر رسول الله، حيث عينها في هذا المكان من الصلاة، وكذلك في السجود حتى يكون الإنسان ممتثلاً لأمر الله عز وجل، متبعاً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ممتثل لأمره في تعين المكان من الصلاة، أكثروا في الركوع من تعظيم الله، قال النبي -صلوات الله وسلامه عليه-: "ألا ألا ألا، وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فطمئن إن يستجاب لكم"، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، انتبهوا لهذه الأمور العظيمة والأسرار الحكيمة، لا تضيعوها على أنفسكم، لا تجعلوا صلاتكم وكأنها حركات تؤدونها إنها والله صلة بينكم وبين الله؛ أسال الله تعالى أن يعينني وإياكم على تحقيق ذلك.

 أيها الأخوة: احرصوا على التراويح، أيها الأئمة: اتقوا الله تعالى في أنفسكم، واتقوا الله تعالى في من ورائكم لعلكم لا تدركون شهر رمضان بعد العام، لذلك صلوا صلاة يطمئن فيها المسلمون يعظمون الله في الركوع يدعون الله تعالى في السجو،د صلوا صلاة تبرأ بها ذمتكم إنكم لا تصلون لأنفسكم، وإنما تصلون لغيركم، فإذا أممتم الناس فاجتهدوا على أن تكون صلاتكم فيهم على حسب ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإياكم أيها الأئمة: أن يغركم الشيطان بحيث تسرعون في الركوع والسجود والقراءة، حتى يكثر الناس ورائكم فإن العبرة في الكيف لا بالكم، أسال الله أن يعنيننا، وإياكم على ما فيه رشدنا وخيرنا .

أيها المسلمون: إن قيام رمضان لا يختص بعدد معين، إن أفضل عدد يقوم به الإنسان في رمضان وغيره إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشرة ركعة، هكذا كان إمامنا ورسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- يفعل سئلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وهي أفقه أمهات المؤمنين وأدرى أمهات المؤمنين بحال النبي -صلى الله عليه وسلم بل إنها تفوق كثيراً من الرجال في ذلك سئلت كيف كانت صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، فقالت - رضي الله عنها- : (ما كان لا يزيد في رمضان وغيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثة)، وقولها يصلي أربعاً ليس معناه أربعاً بتسليم واحد، لأنه قد ثبت عنها برفض أخر أنه كان يسلم من ركعتين، ولكن كان يصلي أربعاً ثم يستريح، ثم يصلي أربعاً ثم يستريح وكل أربعاً من هذه بسلامين، ولذلك كان السلف الصالح فيما سبق من صدر هذه الأمة كانوا يطيلون صلاة التراويح، فإذا صلوا أربعاً جلسوا لأجل أن ينشطوا على بقية الصلاة ولمن أجل ذلك سميت تراويح ، لأن الناس يستريحون بين كل أربعة ركعات، اجتهدوا في هذه الصلوات، ومن صلى زائداً على ذلك، فإنه لا يعتب عليه ولا ينكر عليه ولا يقال إنه مبتدع، بل الأمر في هذا واسع، ولله الحمد، سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كيف صلاة الليل، فقال -صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثني، مثني فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى"، ولم يحدد النبي -صلى الله عليه وسلم- عددا، بل قال لأحد الصحابة، لما قال: أسألك يا رسول الله مرافقتك في الجنة، قال: "أعني على نفسك بكثرة السجود"، فلا يعاب على الإنسان ولا يضلل ولا يبدع إذا زاد على إحدى عشرة ركعة أو على ثلاثة عشرة ركعة الأمر كله واسع، ولله الحمد، وإنني لأعجب أعجب من قوم يصلون في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، فإذا صلوا خمس تسليمات جلسوا من دون أن يصلوا والمسلمين يصلون قانتين لله عز وجل، وهم بين صفوفهم لا يصلون بل يقطعون الصفوف، فلا يكون أحد من المصلين إلى جنب أحد لحيلولة هؤلاء بينهم، ثم إن بعضهم يكون معه القهوة والشاي، فيجلس يتقهوى وربما يتحدثون فيشوشون على الناس إن هؤلاء لمخالف لمذهب السلف الصالح، إن السلف الصالح إن السلف الصالح يحبون الاجتماع ويكرهون الفرقة، ألم تعلموا أيها الأخوة، وأقول ألم تعلموا أيها الأخوة، وأرجو أن لا يكون منكم أحد يعمل هذا العمل المخالف لهدي السلف، أن أمير المؤمنين، أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان الخليفة الثالث الذي خلف من قبله في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ثنتي عشرة سنة صلى ستة سنين أو ثمانية سنين في منى يصلي ركعتين، ركعتين في الرباعية، ثم إنه صار يصلي الرباعية أربعا، فقيل: لبعض الصحابة إن عثمان قد أتم ، وبلغ ذلك عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد صليت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، فما زاد أحد منهم على ركعتين، ولا ركعتان متقبلتان أحب إلي من أربع، ومع ذلك كان يصلي مع عثمان خلفه أربعة ركعات، فيزيد ركعتين وهو يرى أن ذلك ليس من السنة، ولكنه يصلي خلفه في رمضان خوفاً من التفرق والفتنة، فقيل له يا أبا عبد الرحمن كيف تصلي خلف عثمان أربعا ، فقال: "إن الخلاف شر".

 انتبهوا أيها الأخوة: لهذه الكلمة العظيمة إن الخلاف شر، ولقد أرسل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، وأمرهما أن يتطاوعا وأن يتشاورا، ومعنى التطاوع: أن أحد يطيع الآخر ولا يخالفه، ولا شك إن الاجتماع خير، إني أنصح هؤلاء، وأرجو أن يبلغهم كلامي هذا أنصحهم بأن يتقوا الله عز وجل، وأن يتابعوا الإمام وهم على خير، حتى يدركوا ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة".

 وإني أنصحكم أيها المسلمون: أنصحكم أن لا تهملوا صلاة التراويح ، بأن تصلوا في هذا المسجد تسليمتين أو ثلاثاً وفي المسجد الآخر، كذلك فتوزعوا الوقت عليكم وتضيع أوقاتكم، ولكنكم إذا دخلتم مسجداً لصلاة العشاء، فاستمروا حتى ينصرف الإمام من صلاة التراويح، لتنالوا هذا الأجر العظيم من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، فيكتب له قيام ليلة، ولو كان نائماً على فراشه، أو متمتعاً بأهله، فلله الحمد رب العالمين.

 اللهم ارزقنا شكر نعمتك، وحسن عبادتك، اللهم ارزقنا شكر نعمتك، وحسن عبادتك يا رب العالمين؛ أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو غفور رحيم .

( موقع فضيلة الشيخ العلامة ابن عثيمين – رحمه الله-)