نصيحة واجبة لتحكيم شرع الله المطهر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وقياماً بهذا الواجب فإني أعيد التذكير بما سبق أن كتبت وتحدثت عنه مراراً، من بيان وجوب التحاكم إلى شرع الله، ونبذ ما خالفه.

 

لقد دلت الأدلة الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة على أنه يجب على المسلمين جميعاً أفرادًا، أو جماعات أو حكومات ودولاً التحاكم فيما شجر بينهم من خصومات ونزاعات إلى شرع الله سبحانه، والرضوخ له، والتسليم به.

 

ومن هذه الأدلة الصريحة قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]، وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]، وقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]، وقوله سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

 

ومنها يعلم أنه لا يجوز للمسلم التحاكم إلى القوانين الوضعية، أو الأعراف القبلية المخالفة للشرع.

كما أوجه نصيحتي الخالصة في هذه الكلمة إلى حكام الدول الإسلامية جميعاً بسبب ما وقع ويقع بينهم من النزاعات المتعددة بأن الطريق الوحيد الذي يجب اللجوء إليه لحل النزاعات بين دولهم في الممتلكات والحقوق والحدود السياسية وغيرها هو تحكيم شرع الله، وذلك بتشكيل لجنة أو محكمة شرعية، أعضاؤها من علماء الشرع المطهر ممن هم محل رضا الجميع علماً وفهماً، وعدلاً وورعاً، تنظر في محل النزاع، ثم تحكم بما تقتضيه الشريعة الإسلامية..

 

وليعلموا أن ما يقع من بعضهم من التحاكم إلى محكمة العدل الدولية وأمثالها من الهيئات غير الإسلامية هو تحاكم إلى غير شرع الله، ولا يجوز التقاضي إليها، أو تحكيمها بين المسلمين، فليحذروا ذلك، وليتقوا الله ويخشوا عقابه الذي توعد به من يعرض عن شرعه، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:124-126]، وقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:49-50].

 

والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كلها تؤكد أن طاعة الله ورسوله سبب لسعادة الدنيا ونعيم الآخرة، وأن معصية الله ورسوله، والإعراض عن ذكر الله، والتولي عن حكمه سبب لضنك العيش وشقاء الحياة والعذاب في الآخرة.

 

والله أسأل أن يهدي الجميع إلى الحق، ويرزقهم الاستقامة ويصلح أحوالهم، ويعينهم على كل ما فيه صلاح أمر دينهم ودنياهم، وأن يمنح الجميع الرضا بحكم الله ورسوله، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.