تفسير سورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

 

فهذه السورة -سورة القيامة- من السور العظيمة التي اشتملت على ذكر تقرير البعث بعد الموت، وأنّ كل إنسان مُرتهن بعمله، وأنّ كل إنسان على بصيرة من نفسه؛ {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة:14-15]، فيوم يجمع الله جل وعلا الخلق ليوم القيامة كل إنسان على بصيرة من أمره، ولو اعتذر بما اعتذر به فإنه لن تنفعه حين ذاك المعاذير، فلو ألقى المعاذير فهو على بصر ومعرفة بحقيقة الحال وما عمل وما قدّم.

 

والقيامة اسم من أسماء اليوم الآخر. ومن المتقرر عند أهل العلم أن كثرة أسماء الشيء تدلّ على عظمه؛ لأنّ كثرة الأسماء تكون بكثرة الصّفات.

 

فالقيامة وصف لذلك اليوم، وسُمي ذلك اليوم فيوم القيامة؛ لأن الناس يكونون فيه لرب العالمين قيامًا طويلًا، كما قال جل وعلا {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:6]، يقومون ليس قيام يوم من أيام الدنيا أو يومين أو سنة أو سنتين؛ بل يقومون في ذلك اليوم العصيب قيامًا طويلًا، ويكون مع ذلك القيام هلع في القلوب والحزن والخوف، إلا من أنعم الله جل وعلا عليه في انتفاء الحزن والخوف عنهم {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ . لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء:101-103].

 

فذلك القيام الطويل معه الحزن لأنه انتظار، كل إنسان يبدأ يتذكر ما قدم وما سعى في يوم طويل يزداد معه الهم؛ لأنك إذا أردت أو كنت في استقبال من أمرك لشيء، تبدأ تتخوف كلما طالت مدة انتظاره؛ كلما زاد الخوف زاد الهلع وزاد ما في النفس، إلا من أنعم الله جل وعلا عليهم بألا يخافوا ولا يحزنوا وهم أهل العمل الصالح وأهل العلم النافع الذين قال الله جل وعلا فيهم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33] بعد الأوصاف السابقة في سورة فصلت.

 

إذن فاسم القيامة من أسماء اليوم الآخر وهو يوم وليس بأيام، والقيامة لأجل وصف القيام فيه الطويل. وقال بعض أهل العلم: إن القيامة أيضا سميت بذلك أن الناس يقومون من قبورهم ويذهبون إلى أرض المحشر يجتمعون فيها. ولها أسماء أخر وهذه السورة ابتدأها الرب جل وعلا بقوله {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:1]، وأهل العلم يقولون: {لَا أُقْسِمُ} معناها أقسم ولكنه عدل عن القسم إلى نفي القسم زيادة في تأكيده. فكأنه كرر القسم عدة مرات، كأنه قال جل وعلا: أقسم بيوم القيامة أقسم بيوم القيامة أقسم بيوم القيامة. فأتت لا هنا صلة مزيدة إعرابًا لأجل تأكيد النفي لأجل تأكيد القسم كما جاء زيادة (ما) إعرابًا {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران من الآية:159]، يعني فبرحمة من الله لنت لهم وفي نحو قولهم {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} [النساء:155]، يعني فبنقضهم ميثاقهم.

 

وهذا من أسرار اللغة العربية؛ أن يكون هناك زيادة لحرف، ويكون القصد من زيادة الحرف زيادة إعرابية، يكون قصد من ذلك من زيادة ذلك الحرف أنه في مقام تكرير الجملة وفي مقام تأكيدها. ولهذا هنا {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} أعظم تأكيدًا من لو قال جل وعلا أقسم بيوم القيامة، فلو قال أقسم بالنفس اللوامة، فهذا يكون أقل مما هاهنا فلهذا فيه مزيد تأكيد للقسم.