التعاون على البر والتقوى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَلَّى عَلَيِه وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ..

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى عباد الله؛ التعاون بين المسلمين مطلب رباني ومنهج إيماني أمر الله به في كتابه بقوله (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، فالتعاون بين المسلمين في قضاء حوائجهم وتعاون ما بينهم فإن كل لن يستطيع أن يواجه مشاكل ومتاعب الحياة بنفسه بل لابد من إعانة إخوانه وصدق أصدقائه على باب التعاون.

ولهذا التعاون فضائل عظيمة ومنافع عديدة فمن فضائل هذا التعاون:-

أنه سبب الاجتماع وتآلف القلوب ونبذ الفرقة قال -جَلّ وَتعَالَى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) ففي التعاون يحقق المجتمع مصالحه الدينية والدنيوية.

ومن فوائد هذا التعاون: أنه سبيل للحصول إلى المطلوب بلا تعب ولا مشقة ولهذا لما كلّف الله نبيه موسى - عَلَيه السّلام – بإبلاغ رسالته إلى فرعون (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)، وإبراهيم -عَلَيه السّلام – قدم مكة فقال لابنه إسماعيل: إن الله أمرني بأمر. قال: يا أبتاه افعل ما أمرك الله به. قال: وهل تُعينني على ذلك؟ قال: نعم أُعينك عليه. قال: إن الله أمرني أن أبني له بيتًا في هذا المكان، وأشار إلى موضع الكعبة المشرفة فكان إسماعيل يحمل الحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا رفع القواعد أُوتي بالحجر الذي يصعد عليه وجعل يبني وإسماعيل يمده حتى استكمل بناء البيت قال الله -تعَالَى- (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) وقال: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وأخبرنا الله في كتابه عن ذي القرنين أنه مكنه في الأرض وأتاه من كل شيء سببًا فكان من القوة والتنبيل ولما سألهم عن السدين أن يُقيم سدًا بينهم وبين يأجوج ومأجوج (قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً).

ومن فضائل التعاون: أنه سبب في قوة المؤمنين فإن عز اجتماع كلمتهم وتعاونهم سبب لقوتهم وخوف الأعداء منهم فمتى وجد الأعداء أن للإسلام قوة واجتماع كلمة وتآلف قلوبهم صارت قوة تُهاب وتُرعب ويقول -صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم- «المُؤمِنَ للمُؤْمِنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا» فكما أن البنيان يحتاج بعضه بعضا ويضطر بعضه لبعض فكذلك الأمة المسلمة مضظر التعاون لما بينها لكي تقطع الطرق على أعدائها الساعية لتمزيق شملها وإذلالها وإفقارها.

من فضائل التعاون أيضًا: أن الجزاء من جنس العمل فمن أعان أخاه أعانه الله يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ- «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويقول -صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم- «وَإِنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَادَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ».

 

ومن فضائل التعاون: نصر الظالم والمظلوم فيُنصر الظالم بأن يُبعد عن الظلم ويُحذر من عواقبه السيئة ونتائجه الخطيرة التي تعود على الظالم بالسوء (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) اتقوا الظلم فإن الظلم ظُلمات يوم القيامة، وتنصر الظالم تحذره من عواقب ظلمه وتأمره بالعدل والاستقامة، وتنصر المظلوم فتعينه على استرجاع حقه ويخدم مظلمته بما ظُلم  بها كل هذا من التعاون في الحديث « انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَصَرْتُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَكُفُّهُ عَنْ الظُّلْمِ فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ »

ومن فضائل التعاون: الاشتراك في الأجر العظيم يقول -صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم-: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».

ومنها أن التعاون: صدقة الإنسان عن نفسه يقول –صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم« يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى».

ومن التعاون أيضًا: أن من هذه صفاته يُعزه الله ويقويه ويعينه على أموره كلها، لما بُدأ بالوحي بالنبي -صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم- أتى لخديجه وأخبرها بما شاهد، فقالت: "كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ"؛ فعلى الفطرة السليمة أن من هذه أخلاقه وصفاته فإن الله لا يُخزيه بل يؤيده وينصره.

أيها المسلم: والبر والأعمال الصالحة واختلافها والإذن والأسلوب واختلافه فكأن الأمر أمر ونهي، أمر بالطاعة ونهي عن المعاصي فالتعاون على البر أمر بالطاعة والترك عن الإثم والعدوان نهي عن المعاصي وقربانها وامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

أيها المسلم: وهذا التعاون له مجال عظيمة في حياة المسلم:

فأولها: أن الله –جلَّ وَعَلا- أرشدنا إلى أن نعلن هذه الصفات الخمس والشهادة العظيمة والآذان والجماعة؛ فأمرنا أن نؤدي الصلاة في المسجد جماعة في اليوم خمس مرات وأداء الجمعة وصلاة العيدين تقر بها قوة المؤمنين وارتباط كلمتهم واجتماع قلوبهم وهيبتهم وخوف الأعداء من هيبتهم وقوتهم، فإن أداء الجماعة في المساجد والعيدين قوة للأمة وعز لها (وستائر) لقلوبها واجتماع كلمتها.

ومن ذلك أيضًا: التعاون على إظهار شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر من أخلاق هذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) وقال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) الآية. فالتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم  وردعه عن ظلمه يقول –صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم-: « كَلا وَاللَّهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ وَلِتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا »  زَادَ فِي رِوَايَةٍ: «أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ » (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). إن المجتمع لابد له من الأمر والنهي فإن الأمر بالمعروف سياجٌ منيع يترك إلى الفساد والمهالك وإذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استشعر الشر بالأمة وصَعُب تخليصه منها فلابد للأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف درجة لكل خير والنهي عن المنكر تحذير من كل شر فلابد من التعاون في المجتمع جميعًا فإن ترك النهي عن المنكرات تزيد في الناس يوشك أن تحل بنا عقوبة الله من حيث لا نشعر قال -جلّ وَعَلا-: َفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ* أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ* أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ).

ومن التعاون: التعاون الدعوة إلى الله وإرشاد عباد الله وتذكيرهم ونصيحتهم وتحذيرهم من كل سابل سبل الله عليهم فالدعوة إلى الله سبيل والدعوة إلى الله وتبليغ الجالية إلى الله والدعوة إلى الله -جلّ وَعَلا- بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين في الدعوة إلى الله.

أيها الأخوة: إنا عندنا أعداد كبيرة من المسلمين من أبنائنا في العالم الإسلامي يدعون إلى سبيل هؤلاء عندنا بالدعوة إلى الله والهداية إلى الصراط المستقيم وكثير منهم في هذا لا يعلمون شيئًا فإذا وفقوا للدعوة إلى الله ويدعوهم إلى الله ويحذرهم من عذاب الله.

أيها المسلم: خير ماعندك ادعهم إلى الله وحاول أن تدعوهم إلى الإسلام وأن ترغبهم فيه بالقول والفعل والسيرة الحسنة معهم حتى يقبلوا دعوتك ويستجيبوا لهذا الأمر العظيم.

ومن التعاون أيضًا، التعاون على العلم النافع كتعليم كتاب الله فإن كتاب الله أشهر العلم وأفضلها قال – صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ »؛ فحدث عن القرآن وإعانة هؤلاء وإلقائه عليها وتشجيعها كلها أعمال صالحة لأن كتاب الله شرف لهذه الأمة قال –جلَّ وًعَلا- (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) وهذا فيه شرفكم وعزتكم وكرامتكم.

ومن التعاون المطلوب: بين الناس التعاون على قضاء دين المدينين والمعسرين قال –صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم– « وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ » ، قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).

ومن التعاون: الشفاعة والحسنة والتعبير على لسانه يقول – صَلَّى اللَّه عَليه وَسَلَّم –: « اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ».

ومن التعاون: التعاون مع ولاة الأمور في تبليغ رسالتهم والقيام بواجبهم فإن والي أمرنا لابد من التعاون معه في القيام بواجب عظيم فإن الرعية إذا تعاونوا مع إمامهم وولاتهم بالعدل والنصيحة وردع الظلم كان خيرًا كثيرًا، فالتعاون مع ولاة الأمر بالنصيحة والتوجيه والراعي برعيته كل هذا من التعاون.

ومن التعاون أيضًا: التعاون مع رجال الأمن في كشف خبايا المجرمين والمفسدين والقضاء عليهم ومفاجأتهم بأوكارهم الشنيعة فإن المسلم عاون لكل خير فالمجرمون المفسدون إذا تركوا فعلوا ما شاءوا لكن إذا وجدوا من المجتمع المسلم رفض لكل أعمالهم وأخلاقهم السيئة وأن في التعاون معهم في كشف عن خباتهم وخباياهم صار ذلك خير وأعمالهم الفاضلة.

ومن التعاون أيضًا: التعاون على إيقاف الحملات والأباطيل والإشاعات السيئة يحاولوا التعاون علي القضاء عليها وعدم التصديق لها وعدم الإذاعة بها لما فيها من الفساد والشر والبلاء.

أيُّها المسلم: فالتعاون خُلُقُ المُسلم، فكُن على قَدْرِه، العالِمُ بعلمه، الغنيُّ بماله.

الأبوانِ: بتربية الأجيال وتنشئتهما، والمُعَلِّمون: بالدعوة إلى الله وتبصير شبابنا وفتياتنا بالدعوة إلى الله، وتحذيرهم من أسباب الشرِّ والباطل.

التعاون بأنْ نكون معًا جميعًا في جميع شؤون حياتنا، لأننا أُمَّة واحدة، يجب أنْ نتعاون بصدقٍ ووفاء، لعل الله ينفعنا بذلك، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه مِنَ الآيات والذِّكرِ الحكيمِ، أقولُ قولي هذا وأستغفِرُ اللهَ العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين مِنْ كلِّ ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنَّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين، وبعدُ:

أيُّها الناس: كما مضى التعاون على البِرِّ والتقوى؛ فهناك النهي عن التعاون على الإثمِ والعُدوانِ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، فكيف التعاون على العدوان؟

كيف يكونُ التعاون على العدوان: بالتعاون على سفك الدِّماء المعصومة لقتل المسلمين أو المُعاهَدين بغير حقٍ، فإنها جريمة نكرة ومصيبة عُظمى، فإنَّ سَفك الدماء المعصومة مِنَ الأمور المُحَرَّمة: (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).

فإيَّاكَ أنْ تُعينَ مُجرِمًا على جُرمِهِ؛ ولو بشَطر كلمة، يقولُ -صلى اللهُ عليه وسلم-: « مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».

ومِنَ التعاون على الإثم والعدوان:

التعاون على حماية المُجرِمين، والتسَّتر عليهم والدفاع عنهم والاعتداد عنهم، وهم مِنْ أهل الفساد والشرِّ والبلاء، فإنَّ هذا مِنَ التعاون على والعدوان؛ دعوا الشرع يحكم الحكم بهم ليُخلِّصَ الناسَ مِنْ هذه المصائب والبلايا، فإنَّ التعاون مع المُفسِدين والتَسَتُّرعليهم وإخفاء آحادهم كُلها خيانة للأُمَّةِ في دينها ودُنياها.

ومِنْ أنواع التعاون على الإثم والعدوان:

التعاون في أكلِ أموال االباطل؛ بأيّ سببٍ كان، بأي سبيلٍ كان وبأي وسيلةٍ كانت، سواء كان بالأسهم والتلاعُب بها، أو سواء كان بالسِّلَعِ التجارية والاتفاق على رفع أسعار السِّلَعِ بلا سبب شرعي، كُلّ هذا مِنَ التعاون على أكل أموال الناس بالباطل.

ومِنَ التعاون أيضًا على الإثم والعدوان:

التعاون على أكل أموال العامة، واستحلال أموال الدول بغير حق، وإفساد المشاريع العامة وإخلال مواصَلَتها وتنفيذها، وأخذ الرشوة حتى تُخَفَّض المواصلات وغير ذلك مما يضُرُّ الأُمَّة، كل هذا مِنَ التعاون على الإثم والعدوان.

ومِنَ التعاون على الإثم والعدوان:

ترويج المُخَدِّرات والمُسْكِرات، فاستيرادها وترويجها وبثّها في شبابنا فإنَّ هذا مِنَ التعاون على الإثم والعدوان، لأن هذه أموالٌ خبيثةٌ، مكسبها خبيث ونتائجها سيئة، فإنها مِنَ الأموال المُحَرَّمة، وإنَّ اللهَ لعنَ الخمر وشارِبها، وعاصِرها وساقيها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومُشتريها، كل ذلك ملعونٌ على لسان محمدٍ-صلى الله عليه وسلم-.

فالمُخدرات: والمُرَوِّجُ لها والمُسَوِّقُ لها والمُنَفِّذُ لها كلهم شركاء في الإثم والعدوان، نسألُ اللهَ السلامة والعافية.

ومِنَ التعاون على الإثم والعدوان:

التعاون ضد ولاة الأمر، وضد مشاريع الدولة، وضد أمنها واستقرارها، فالتعاون مع الأعداء؛ سواء كانوا في الداخل أو في الخارج، لا يجوز لمسلمٍ أنْ يفعل ذلك، بل المُسلم يسعى بتحقيق الأمن واستتباب الأمن وراحة الأُمَّة، أما مَنْ يتعاون مع المجرمين ومع دُعاة السوءِ والفساد، ويكون مع المذاهب الباطلة والآراء الضَّالة؛ يكون مع أعداء الأُمَّةِ وأعداء دينها، فاحذروا يا عِباد الله.

ومِنَ التعاون على الإثم والعدوان:

التعاون على تعطيل شرع الله، والتعاون بوسائل الإعلام السيئة على بثِّ الشُّبَه والأباطيل ضد الإسلام وتعاليمِهِ، فكيف ببعض الإعلاميين-هداهم الله- يتعاونون مع أعداء الإسلام؛ بقتل المسلمين وتشويه سُمْعَتهم، وإظهار ضعفهم وعجزهم، والقدحُ في دينهم ومُعتَقَداتهم، كل هذا من التعاون على الإثم والعدوان.

وفَّقَ اللهُ الجميعَ لِمَا يُحبّه ويرضاه، واعلموا رحمكم الله أنَّ أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهَدي هَدي مُحمدٍ-صلى الله عليه وسلم-، وشرُّ الأمور مُحدثاتُها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المُسلمين، فإنَّ يد اللهِ على الجماعة، ومَنْ شَذَّ شذ في النار، وصلّوا -رحمكم الله- على عَبْدِ الله ورسوله محمد؛ كما أمركم بذلك ربُّكم، قال-تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِكَ ورسُولِكَ مُحمَّد، وارضَ اللهم عن خلفائِهِ الرَّاشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، وعنَّا معهم بعفوك وكرَمِك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأذِلَّ الشِّركَ والمُشْرِكين، ودَمِّر أعداءَ الدِّين، وانصُر عِبادك المُوَحِّدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًا وسائر بلاد المُسلمين يا رب العالمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، ووَفِّق ولاة أمرنا لِمَا تحب وترضى، اللهم وَفِّق إمامنا إمام المُسلمين سلمان لكل خير، اللهم أَمِدَّهُ بالصحةِ والعافية، اللهم قوِّ سمعه وبصره وعقله، واحفظه مِنْ كل سوءٍ وأعِنهُ على كل خير، إنَّك على كل شيء قدير.

اللهم شُدَّ أزره بولي عهده، وولي ولي عهده والأُمراء جميعًا، وأصلحهم للحق والهُدى، إنك على كل شيءٍ قدير.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)، َبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمه عليكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).